القصة الكاملة حول مسلسل الجريمة الوثائقي "بإسم الدين، إيمان وأكاذيب"


 تستكشف هذه السلسلة الوثائقية التي تعرض على منصة نتفلكس قصصًا حقيقية تحبس الأنفاس عن أربعة قادة طوائف كوريين يدّعون النبوّة وتفضح الجانب المظلم من الإيمان الأعمى.

 وكما يوحي ذلك من عنوانها ، فإن هذه السلسلة الوثائقية تدور حول مجموعة من مدعي النبوّة اتضح بأنهم مجرمون، ولأنه من المحتمل أن تضر المواضيع الدينية العامة الناس لعقود، ولذلك فإن سلسلة نتفلكس هذه كشفت أربع قضايا فقط في كوريا الجنوبية.

وتعرض هذه السلسلة الوثائقية سردًا مفصلًا لجلسات الاستماع القضائية التي وجهت لأربعة من رجال الدين والنتائج المترتبة التي واجهوها هم وأنصارهم، ومن المثير للقلق مشاهدة السلسلة الوثائقية "بإسم الدين:إيمان وأكاذيب" في الوقت الراهن نظرًا للمحتوى الذي يقدمه ويعد تغطية شاملة وجيدة للأحداث.

ما الذي تتحدث عنه السلسلة الوثائقية "بإسم الدين: إيمان أكاذيب"؟

كان يحظى لقب JMS  ( المسيح نجم الصباح ) بشعبية كبيرة بين طلاب الجامعات في الثمانينات لكونه اسم كنيسة جديدة وحركة دينية مسيحية جديدة برئاسة القائد المُلهم جيونق ميونق سيوك، حيث توافد الرجال والنساء إلى الكنيسة من باب المصالح الدينية والروحية وفضلًا عن التوجه الليبرالي بالمقارنة بغيرهم، إلا أن عالم أنصار JMS تخلخل من مكانه حينما حٌكم على زعيمهم بالسجن لمدة عشر سنوات في 2008 جراء اغتصابه لثلاثة من انصاره النساء، وبما أن فترة عقوبة ميونق سيوك انتهت، لم ينفك الرجل بكونه واعظًا نشطًا، ولم تتوقف موجة الادعاءات بالتجاوزات الجنسية ضده.

في التاسع والعشرين من شهر اغسطس، سنة 1987، أصيب سكان المقاطعة المحيطة بسول في كوريا الجنوبية بصدمة كبيرة، حينما تبين أن مصنع قيد الانشاء كان دارًا من الرعب، حيث لقى 32 رجلِا وامرأة مصرعهم سويًا داخل سقف مقصف المصنع، وأثار ما كان يُعتقد بأنه انتحار جماعي جراء التعصب الديني إمكانية وجود أمرًا أشد شرًا، وفي نهاية الأمر كان الاثنان والثلاثون رجلِا وامرأة أعضاءً ضمن جماعة دينية وأعمال تجارية يُطلق عليها المحيطات الخمسة، وهي شركة يُشتبه بكونها سحبت ما يقارب عشرة مليارات وون كوري.

في غضون سنة 1996، باشرت الشرطة الكورية التحقيق حول طائفة دينية تسمى بجنة الطفل وكان زعيمها كيم كي سون، تلك التحقيقات كانت حول تهم تتعلق بالابتزاز والاعتداء الجسدي والقتل، حسبما أفاد بها بعض الأعضاء السابقين، وفي الوقت الذي كانت فيه طائفة جنة الطفل موجودة منذ الثمانينات كمجتمع مصغر من عامة الناس يكسبون ويزرعون مواردهم الخاصة، إلا أنه ثارت مزاعم بأن القاصرين يتعرضون للاستغلال الجنسي وأن الأطفال يكادون يموتون من الجوع والضرب، وبحلول الوقت الذي كان فيه كيم كي سون محتجزًا لدى الشرطة، كُشف الستار عن الكثير من الروايات المفجعة حول ذلك المجتمع الذي كان من المفترض أن يكون ملاذًا آمنًا للأطفال.

لي جاي روك وكنيسته المركزية التي طبقت شهرته الآفاق في مانمين لقدرتهم على التداوي السحري وعلاج أصعب الأمراض بالإيمان والدين، ورغم ورود مزاعم بأن كنيسة مانمين كانت معقلًا للأنشطة الزائفة والغير قانونية طيلة السنوات الماضية، إلا أن أنصار هذه الكنيسة أظهروا طابعهم العنيف في واحدة من ليالي سنة 1999، حيث كانت قناة البث الإذاعي العامة  MBC في تلك الليلة تستعد لعرض برنامج يتحدث عن المزاعم الموجهة ضد لي جاي روك وكنيسته، وقتها توافد أفواجًا من أنصار مانمين على مكتب MBC لمنع البث بشكل غير قانوني، إلا أنه لسوء حظ هؤلاء الأنصار، فإن المعلومات حول زعيمهم التي سيكشف عنها كانت كافية لوضع حد لإيمانهم الأعمى.

تسلط سلسلة نتفلكس الوثائقية " بإسم الدين: إيمان وأكاذيب" الضوء على هذه القضايا الأربعة وتعرض مسلسل وثائقي يتحدث عنهم، بالاستعانة بلقطات تلفزيونية، ومقابلات قديمة وحديثة، وبمشاركة محققين وضحايا، ووثائق من مشاركين مجهولين كانوا في الماضي جزءًا من هذه الطوائف الدينية، ويبرز هذا العرض الاحتمالات المخيفة بأن يصل الايمان لدرجة العمى في أيدي مدعي النبوّة.

كيف أستغل جيونق ميونق سيوك أنصاره من النساء؟


بعد أن أُسست كنيسة JMS (نجم الصباح يسوع)
 في سنة 1980 ، كانت أول أهداف جيونق ميونق سيوك نشر الدين، وبالتالي اكتساب شعبية بين الشباب، واستهدف ساحات الكليات والجامعات، حيث حظي بالاهتمام والدعم بإجراء الأنشطة الرياضية والترفيهية والتي سرعان ما لفتت أنظار المراهقين والشباب، و حقيقة أنها جماعة دينية، إلا أنها لم تكن كنسية JMS صارمة ومحافظة بشأن الملابس والسلوكيات كالكنائس الأخرى، لأن نوايا ميونق سيوك الحقيقية كانت شيئًا أشد خطرًا، حيث أنه بدأ ينيب نفسه بأنه المبعوث الثاني للمسيح، وتفسير الكتاب المقدس على أنه رواية ترمز لأحداث ومبادئ أكثر ترجيحًا ومن الواجب إتباعها.

استخدمت كنيسة JMS  علم الأعداد بشكل مكثف لتقديم مطالبات طموحة، ومن المعروف أن جيونق ميونق سيوك تنبأ بنتائج الانتخابات الرئاسية في كوريا الجنوبية ، ليس في تحديد من سيفوز فحسب، بل ايضًا من ناحية الترتيب المفصل للأول والثاني والثالث، وبهاله وجاذبية كانت محط احترام وتبجيل من قبل الكثيرين، لم يكتفي ميونق سيوك بنشر الدين في كوريا الجنوبية بل قرر ايضًا الخروج للعالم، إلا أن هذا القرار كان ايضًا بالقوة لأسباب مختلفة.

وفي غضون عام 1999، بدأت تتخذ الادعاءات بالاعتداء والتحرش الجنسي خطوة واضحة ضد مدعي النبوّة، حيث تبين أن هناك 100 من الأنصار الإناث ادعوا بأنهن تعرضن للاغتصاب على أيدي رجل الدين الذي ظل يخبرهن بأنهن كانن يؤدين العبادة، وكانت هناك تقارير تفيد بأن جيونق ميونق سيوك أدعى لبعض أنصاره المقربين بأن مهمته كانت ممارسة الجماع مع 10,000 امرأة، رغم أنه كان يعظ أنصاره بالابتعاد عن أية أفعال جسدية، إلا أن الرجل أدعى بأنه "نقي" مما يعني بأنه مسموح له بأن يجامع أنصاره من الإناث.

 كانت العملية بأكملها بأنه غالبية النساء وافقن بمحض اختيارهن عندما طُلب منهن الذهاب للقاء زعيمهن وبعيدًا عن الأنظار من أجل أن يتباركوا به، وعينت كذلك بعض النساء لإشراك المزيد من النساء في هذا الفعل، وكانت تدابير الاستغلال الجنسي ذات طابع مؤسسي، حيث كان لكل فرد دور يلعبه، وبعد صدور تقارير عن مثل هذه الأفعال في العلن، لاذ ميونق سيوك بالفرار من كوريا الجنوبية، وأدعت كنسية JMS بأنه سافر للخارج من أجل أنشطته الدعوية.

لجأ ميونق سيوك إلى هونق كونق واليابان وتايوان واستمر في ممارسة أعماله الشنيعة في كل البلدان، وكان يقدم طلاب الجامعات بمثابة أنصاره عبر ستارة الدين الزائفة، ويدعو بعضهن للاجتماعات سرية ثم يغتصبهن، وكان هناك ايضًا قاصرات من ضمن النساء الاتي اعتدى عليهن جنسيًا طوال كل هذه السنوات و في البلدان، إلا أنه سرعان ما كشف أمر جرائمه وتمت مصادرة جواز سفره، لكنه تمكن من الفرار بصورة غير قانونية إلى الصين.

 وأكد أنصار كنيسة  JMS التي ضمت العديد من عامة الشعب والأثرياء وكذلك المؤثرين بأن زعيمهم بقي في بر الأمان عبر تهديد وأشباع أفراد عائلة الضحايا ضربًا، وأخيرًا ألقت السلطات الصينية القبض عليه في سنة 2008 وأعيد إلى كوريا الجنوبية، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة عشرة سنوات.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة هو حقيقة أن ميونق سيوك استمر بارتكاب التحرش الجنسي حتى في الخفاء والسجن، وبعون مجموعة فعالة من أنصاره كان يختار بعض النساء من أنصاره لارسالهن بعد ذلك إلى هونق كونق أو الصين أو حتى إلى السجن لكي يمارس معهن الجنس. لم تكن أي واحدة من النساء تعرف ما كان ينتظرها، وكانن يشعرن بالحماس لمقابلة رجل الدين.

 وفي نهاية المطاف تحدثت امرأة تدعى مابلي عن هذه الأفعال لعامة الناس في الفترات الأخيرة، وبعد تسريح ميونق سيوك من السجن في سنة 2018، وعلى مدى فترة سنة 2019 و 2021 تعرضت مابلي للاعتداء الجنسي من رجال الدين لأكثر من عشر مرات، وانضمت مابلي لطاقم سلسلة نتفلكس الوثائقي، وكانت هناك أدلة قاطعة بأنه مجموعة من الرجال يلاحقونها بالسيارات ومن الواضح أنها أوامر من ميونق سيوك.

لا يزال قيونق ميونق سيوك يتمتع بحرية تامة وذو مال وفير ، رغم استجوابه من قبل الشرطة الكورية الجنوبية لغاية الآن ، يدعي ميونق سيوك وكنيسته وأنصاره البراءة، وأعيدت تسمية كنيسة JMS والتي كانت تدعى أيضًا العناية الإلهية إلى مهمة الإنجيل المسيحي ولكنها لا تزال موجودة وتدعو إلى براءة زعيمهم، وبالاستعانة بشركة محاماة كبيرة ، نجح جيونق ميونق سيوك في الابتعاد عن المتاعب لغاية الآن ، لكن من المؤكد أن سمعته ستتضرر بعد هذا الفيلم الوثائقي.

 في الواقع ، رفع جيونق ميونق سيوك وكنيسة JMS  دعوى قضائية لمنع الإفراج عن فيلم نتفلكس الوثائقي ، مدعيا أن الوثائق والأراء المشوهه لسمعته كلها من محض الخيال، إلا أن المحكمة رفضت الأمر القضائي وسمحت لمنصة نتفلكس و MBC من بث العرض دون أية عوائق.

ما هو السبب الحقيقي الكامن وراء الانتحار الجماعي لشركة المحيطات الخمس؟


لا تزال التفاصيل الدقيقة لقضية الانتحار الجماعي لمنظمة المحيطات الخمس محل نقاش لدى مختلف الأطراف من المحققين والشهود، إلا أن وثائقي نتفلكس قدم القضية بإنصاف في حلقة مدتها 70 دقيقة، كانت نقطة انطلاق شركة المحيطات الخمس في مدينة دايجيون كشركة مصنعة للأعمال الحرفية، حيث عينوا الصناع والعمال ذوي المهارات العالية، إلا أنهم كانوا يفتقرون للخبرات الاجتماعية والمالية، لم تكن مؤسسة الشركة بارك سون جا مجرد سيدة أعمال ناجحة بل ايضًا مناصرة بأموال البِر وشخصًا محبًا للخير.

سمحت للعاملين لديها من إحضار أطفالهم للاعتناء بهم والانتباه لهم بنحو سليم، ورغم أن شركة المحيطات الخمس تحولت إلى شركة تجارية، فإنه لم يبدو أي شيء في غير محله أو يوجد شيء يدعو للقلق، كان زوج بارك سون جا مديرًا ثريًا وذو سلطة في مكتب البناء، وبسبب القوة والرغبة في خدمة الجموع المشتركة حُولت الشركة كذلك إلى جماعة دينية.

كانت بارك سون جان بمثابة الأم المقدسة لسكان القرية التي تكدح وتضحي في سبيل مصلحتهم، ولكن تبين ايضًا أن شركة المحيطات الخمس تطلب الأموال والتبرعات من الأعضاء المنتسبون لها أو أي شخص تربطه صلة بها وتلك الأموال كانت تُأخذ على شكل قروض، وتعهدت بارك سون جا على أن يصل معدل الفائدة من 20% وإلى 40%، مع شروع الناس بدر مدخرات حياتهم ظنن منهم أنه استثمار، كشف الستار عن جانب شركة المحيطات الخمس المظلم ، وحدث ذلك حينما ضُرب رجلًا ضرب شديدًا لأنه طلب استرداد أمواله، بعدها باشرت الشرطة التحقيق مع الشركة.

إلا أنه وبعد فترة وجيزة ذهب العمال والرئيسة بارك سون جا في عداد المفقودين ولم يُعثر عليهم في موقعهم المعتاد في مدينة داجيون إلا في 29 من شهر اغسطس 1987 في مسرح الانتحار الجماعي أو القتل.

ومن المتفق عليه بالإجماع على أنه تفوح من مسرح الانتحار الجماعي رائحة الغرابة ولم تتطابق عدد من التفاصيل، حيث أن أطراف مختلفة عبروا عن وجهات نظر متفاوتة فيما يتعلق بالأمر، وذكر في بيان الشرطة الرسمي بأنه تعرض 31 رجل وامرأة للخنق حتى فارقوا الحياة على أيدي رئيس المصنع في مقاطعة جيونج جي دو، بعدها ازهق الرجل روحه عبر شنق نفسه.

اُستنتج من عدم وجود علامات تشير إلى الدفاع عن النفس أو الصراع البدني  إلى أن المدير قد طُلب منه سلب روح بقية الأعضاء قبل أن يسلب روحه، إلا أن حقيقة أن بارك سون جا قد قُتلت أثارت تساؤلات حول أن الفعل قد يكون نوع من الطقوس الانتحارية أو أنها جريمة قتل، لأنه في مثل هذه الحالات دائمًا ما يضحي القائد بنفسه في اللحظة الأخيرة، والحقيقة الكاملة التي تبينت في وقت لاحق ، أو الرواية الحقيقة وراء هذا الأمر كانت مرتبطة بالمال أكثر من أي معتقدات دينية.

وقبل الحادثة اجرت السلطات حسابات بينت أنه على عاتق شركة المحيطات الخمس ديون تقدر ب 10 مليار وون لعدد لا يحصى من الدائنين، إلا أنه لم يكن هناك أي أثر لهذه الأموال بأي مكان، وبحلول ذلك الوقت أعلنت الشرطة أن المحيطات الخمس هي شركة احتيالية ضخمة تختبئ خلف ستار جماعة دينية مسيحية ، وكانوا على اطلاع على الأعضاء المفقودين،  وبعد تحقيقات مكثفة في مسرح الجريمة ، تبين أن شركة المحيطات الخمس في الواقع يعملون كغطاء لشركة تجارية أخرى تسمى ساموو.

كانت شركة ساموو التجارية مملوكة لرجل مشهور يدعى يو بيونق أون، الذي كان ايضًا زعيم الكنيسة المعمدانية الإنجيلية في كوريا الجنوبية (طائفة الخلاص)، أراد بيونق أون بعد تأسيس الكنيسة أن يكسب الملايين لنفسه، إلا أن القيام بذلك عبر التبرعات فحسب بدا مستحيلًا بالنسبة له، وبعدها شرع في جمع الأموال من خلال القروض الغير قانونية وتفرع إلى شركات ومؤسسات مختلفة لتحقيق مراده، واعتادت شركة المحيطات الخمس والرئيسة بارك سون جا بيْن فنية وأُخرى على جمع الأموال لبيونق أون وتحويلها إليه .

و نظرًا لكونهم في قائمة مطلوبين الشرطة ، اختبأت سون جا وعمالها في المصنع ، وطلبوا من بيونق أون معروف أخير، إلا أن الرجل رفض مد يد العون، قائلاً أن شركة ساموو تعاني من ضائقة مالية أيضًا، وموضحًا لسون جا أنها لا تستطيع أن تفلت من قبضة القانون.

قررت سون جا وكمحاولة أخيرة لتحاشي القانون أن تسلب روحها وأقنعت أنصارها على هذا الفعل قبل أن تكتشف الشرطة مكانها، ورغم هذه النتائج والنظريات التي توصلت لها الشرطة، إلا أن المحكمة لم تتمكن من العثور على أية أدلة تثبت تورط بيونق أون في جريمة القتل وحُكم عليه بالسجن لمدة أربعة سنوات بتهمة الاحتيال المالي، تبين لاحقًا تورط يو بيونق أون في فاجعة  انقلاب عبارة سيول في سنة 2014، وعُثر لاحقًا على جثته في إحدى التلال في نفس السنة.

ما هي الادعاءات الموجهة ضد كيم كي سون وجنة الطفل؟ 


كانت كيم كي سون المؤسس لطائفة مسيحية تسمى جنة الطفل ، أو جنة الأقا (أقا: طفل باللغة الكورية) ، حتى أنها أطلقت على نفسها اسم أقا وأمرت أنصارها أن يفعلوا المثل، وخلافًا للطوائف الأخرى الواردة في الفيلم الوثائقي، فإن طائفة جنة الطفل استهدفت الأشخاص العاديين جدًا وحتى المضطهدين الذين يفتقرون للدعم المالي الكبير، وعكس الطوائف الأخرى، لم تكن هذه الطائفة تنوي إحضار المزيد من الأنصار لزيادة عددهم، لأنهم كانوا مكتفين بما لديهم، وكانت كيم كي سون من أتباع واعظ يُدعى لي كيو بيو، الذي كان يملك عدد كبير جدًا من المناصرين.

 وفي فترة معينة سُجن لي كيو بيو لبضع سنوات ، وسرعان ما تولت كيم كي سون منصبه من بين المناصرين ، مدعية أن كيو بيو نفسه طلب منها مواصلة الدعوة نيابة عنه. وبلمح البصر باتت كي سون تحظى بشعبية كبيرة بين المناصرين وضمت الشعب بأكمله إلى طائفتها الجديدة ، والتي تسمى جنة الطفل.

اتخذوا خطواتهم الأولى كطائفة دينية عادية تضمنت 200-300 من المناصرين، إلا أنه في فترة من الزمن حولوا جنة الطفل إلى شركة حيث ظل الجميع سويًا. ادعت كيم كي سون أن نهاية العالم ستضرب قريبًا الحضارة البشرية ولن ينجو منها سوى أنصارها وسوف يتمكنون من الوصول إلى العالم الجديد، وكان هناك عدد من القواعد واللوائح التي بدت مُحيرة للأنصار المقيمين ، مثل عدم السماح للأزواج بالبقاء سويًا وعدم السماح للأطفال بالاتصال بوالديهم سواءًا أمهم أو أبيهم، إلا أن المناصرين لم يأخذوا أيًا منها على محمل الجد.

إلا وأنه مع الاستغلال المفرط للعمالة مقابل الكميات القليلة من الطعام أو المرافق، قرر بعض الانصار السابقين التحدث عن تجاربهم على الملأ بعد مغادرتهم المجموعة، ولم يبدأ الناس بالكشف عن المستور إلا في مطلع سنة 1996، حينما تحدث عدد لا يستهان به من الناس عن مدى بشاعة الفظائع التي تحدث في جنة الطفل، رسخت كي سون نفسها كالحاكمة والرمز الأبوي في حياة كلًا من أنصارها.

كان ما قالته وأرادته حاسمًا وغير قابل للنقاش، ويتعرض كل من يرفض اتباع أوامرها للضرب المبرح والتعذيب الجسدي، ومع أنها كانت  دائمًا تدعو أنصارها إلى الامتناع عن فعل الفاحشة إلا أنها استغلت العديد من الأطفال والأولاد المراهقين جنسيًا، جعلتهم يصدقون أنهم أشخاص محظوظين اختيروا لتأدية العبادة ولم يعترض أي أحد منهم على ذلك.

أمرت كيم كي سون أنصارها أن يخرجوا للمدن لبيع الطعام وغيرها من الموارد واحتفظت بالأموال العائدة من البيع لنفسها وأجبرت الأطفال في القرية على الخروج للتسول واحتفظت كذلك بأموال التسول لنفسها، لم يكن الضرب وحده أمرًا مستمر، بل إن طائفة جنة الطفل سفكت دماء ثلاثة من المناصرين بناءًا على تعليمات كيم كي سون.

في البداية كان رجلاً يبلغ من العمر أربعة وأربعين عامًا يُدعى يون يونق أونق الذي غاب عن الأنظار في يومًا ما من المكان ولم يسبق رؤيته من جديد، كيف ولماذا قُتل ؟ لا تزال أجوبة تلك الأسئلة طي المجهول ، ولم يخبر كي سون ابنته إلا حقيقة أنه مات بعد تناوله لمبيد حشري. 

الضحية الأخرى كانت امرأة تبلغ من العمر 21 عامًا تدعى كانق مي كيونق والتي كانت مشهورة في الشركة بسبب طابعها اللطيف ومظهرها الجميل، وقد كان ابن كي سون مولعًا بمي كيونق  ويشاع أنهم كانوا أحباء، شعرت كيم كي سون بالاستياء عندما سمعت عن ذلك، لأنها خشيت من حدوث فضيحة بين أنصارها، قامت بإذلالها علنًا كمتورطة عاطفيًا مع رجل وأمرت بابراحها ضربًا حتى لقيت حتفها، ومن ثم ألقت بجثتها في مكان ما داخل منطقة جنة الطفل.

الضحية الثالثة وأكثرهم وحشية على الاطلاق لصبي يدعى تشوي ناك قوي والذي يبلغ من العمر خمسة سنوات، وصفته كي سون بأنه ممسوس من الشيطان وذلك بسبب أن الطفل تشوي أراد أن يكون برفقة والدته التي تعمل في الحقول، تغوط الطفل وألقى بفضلاته على الجدار، ومن الواضح أن تشوي لا يكف عن التعبير عن كراهيته نحو كي سون، ولذلك أرادت كي سون التخلص منه، حيث ربطوا الطفل تشوي في حظيرة الخنازير وحرموه الأكل لعدة أيام قبل أن يفارق الحياة جراء جلد المناصرين له بالسوط وكانت من ضمنهم عمة الطفل تشوي.

رغم هذه الجرائم الشنيعة إلا كيم كي سون أفلتت بفعلتها بسهولة عبر استغلال قوتها وأموالها، جعلت والدة تشوي ناك قوي توقع على شهادة وفاة، والتي نصت على وفاة الصبي جراء نوبة قلبية ، كما جعلتها لاحقًا تشهد شهادة زور في المحكمة، في النهاية سلمت كي سون نفسها للشرطة في عام 1997 بعد أن ظلت بالخفاء لبعض الوقت بعد أن نصحهها محاموها أن تسلم نفسها والذين قالوا أنه لن يقبض عليها على الإطلاق، ومع ذلك احتجزتها الشرطة ، وتلا ذلك دعوى قضائية موجهه ضدها.

 ولكن في عام 1998 أقرت المحكمة بأن وفاة تشوي البالغ من العمر خمس سنوات كانت محض الصدفة وليست متعمدة، ولم يتم توجيه اتهامات لجريمتي القتل الأخريين لأنه لم يتم العثور على الجثتين، وحكمت المحكمة على كيم كي سون بالسجن أربع سنوات بتهمة الاحتيال المالي ولم يذكر المسلسل الوثائقي ما حدث لكيم كي سون وجنة الطفل بعد ذلك.

كيف تمكن لي جاي روك من تأسيس طائفته وتجنيد أنصار طغى على قلوبهم العمى؟


وصف ابتزال الكاهن جاي روك المالي واستغلاله على أنه منهجي ومخطط بدقة أكثر من بقية الطوائف الأخرى، حيث أن كنيسته المركزية في مانمين لا تزال موجودة مع عدد من المناصرين، كان اختصاصه واختصاص كنيسته في مداوة المرضى والمتعبدين روحيًا عبر قدراته الروحية والسحرية التي ادعى أنه يمتلكها. 

كما ادعى جاي روك عن نفسه أنه المبعوث الثاني للمسيح ، وكثيراً ما استخدم حيل الكاميرات والإضاءة وكذلك الأساليب النفسية لجعل أنصاره يصدقون أن الأله جاء لمقابلته، وادعى بكلماته الساذجة بأن الأب المقدس وابنه يأتون للقاءه في يوم محدد من كل عام ويمشون سويًا والذي يحتفل به المناصرين باعتباره يوم الاحتفال الارواح، وفضلًا عن إقامة حفلات عيد ميلاده الفاخرة كان جاي روك سيء السمعة بسبب تحرشاته الجنسية.

وبسبب هذه الأسباب والادعاءات تحديدًا، سجلت قناة MBC برنامجًا حول قضية الكاهن لأجل كشف المستور وكلماته الزائفة التي انتشرت عبر خطبه، وبحلول هذا الوقت من عام 1999، قرر المجلس الكوري المسيحي طرد جاي روك وكنيسته واصفًا إياه بالملحد الخطر وبأنه ليس داعيًا ملائم للمسيحية.

ورغم ذلك توافد أعضاء كنيسة مانمين البالغ عددهم بضعة آلاف  في تلك الفترة على مكتب MBC لمنع البث التلفزيوني بالقوة، واعتبرت الحكومة الكورية هذه الحادثة على أنها خطر تمس الأمن القومي ، ولكن لم يحدث شيء يستحق العناء فيما يتعلق بإيقاف الكاهن، إلا أنه عوضًا عن ذلك  زادت شعبيته وكذلك شعبية كنيسته في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بالأضافة إلى أنه تفرّع دوليًا حيث أقام برامج علاجية وخطب في عدة أماكن من بينها باكستان بالإضافة إلى حديقة ماديسون سكوير في نيويورك.

كان بجعبة جاي روك خطة عمل متماسكة وفعلية داخل كنيسته في مانمين ، والمثير للسخرية أنه كان يقوم بتقدير إيمان المرء حيث قام بتقييم جميع أنصاره بانتظام، بناءً على درجاتهم الدينية ووزع هذه الدرجات على أساس خمسة مستويات، فمن البديهي أن المرء يبدأ من المستوى الأول ويرجو يومًا ما أن يصل إلى المستوى الخامس عبر كسب النقاط من خلال الأنشطة التي تثبت إيمانهم، وتبين أن الرجال والنساء الذين دفعوا مبالغ مبالغ ضخمة عبر التبرعات الرسمية والغير رسمية قد ارتفعوا في التصنيفات بشكل أسرع وبسلاسة، فكان الأمر كله يدور حول جمع الأموال للكاهن جاي روك، حتى أنه سلب الملايين من أولئك الذين أرادوا التقاط صورة معه. 

كان في كنيسة مانمين ايضًا عدد من المتاجر التي انشأت في جميع أنحاء البلاد في سبيل بيع الصور والأشياء التي تحمل مباركة الكاهن بثمن غالي، من ضمن تلك الأشياء المباعة مياه تسمى مياه مونا الحلوة والذي كان بالاساس مياه مقدسة من بئر باركه جاي روك ومن المفترض أن يساعدهم في حل جميع المشكلات من الامراض الجسدية المعقدة وحتى من لا يسعهم الحركة.

أستطاع جاي روك اقناع أنصاره بالاستعانة بدعوته وخطبه بأن الذهاب للمستشفى لعلاج أية أمراض يعادل تقريبًا ارتكاب خطيئة، وعلى هذا النحو نجم عن بعض الوفيات بشكل غير مباشر.

في حين أن  لي جاي روك أخبر أنصاره عن الآثار السيئة جراء الرغبات الجنسية وادعى أنه خالٍ من أي من هذه الرغبات المشتتة ، قادت شهيته الجنسية المثيرة للاشمئزاز إلى الاطاحة به، حيث واخيرًا شرعت الشرطة بالتحقيق معه لاغتصابه تسع نساء من كنيسته ولعل ما يزعج أكثر حقيقة أن كل تلك النساء ترعرعن وهن يقومن بزيارة منتظمة لكنيسة مانمين مع ذويهن، أي أن جاي روك كان يعرفهن منذ صغرهن.

كان الكاهن يدعو النساء إلى منزله سرًا وهو يحمل في جعبته وعودًا لهن بأن ينعمن بمباركات خاصة ولقي الأله ثم يسيء إليهن جنسيًا، كما أنه كان يمنح النساء مبالغ كبيرة من تبرعات الكنيسة ولعل السبب وراء ذلك للتأكد من أنهن لن يتحدثن عن ذلك.

وفي غضون ذلك الوقت تمسك عدد كبير من المناصرين بالكنيسة ، مدعين براءته والتشهير بالضحايا على أنهم ببساطة فاسقون وأشرار، ولكن ما غير بصيرة البعض كان عندما سُربت محادثة هاتفية مسجلة لامرأة معروفة في صفوف الكنيسة، حيث أخبرت امرأة أخرى كيف أن جاي روك كان يستغل جنسيًا أنصاره من النساء لسنوات عديدة لغاية الآن.

 أدانت المحكمة الكاهن بتهمة الاغتصاب في عام 2018 وحُكم عليه بالسجن 15 عامًا، وكُشفت نوايا الرجل الفاسد والدنيء ، الذي ادعى ذات يوم أنه خالد وأبدي، وبينما يقضي لي جاي روك وقتًا في السجن بطريقة مريحة أكثر من أي مجرم عادي ، لا يزال بعض أنصاره المتحمسين في كنيسة مانمين يتشوقون لعودته ويواصلون تكريمه عبر قص القصاصات الورقية.

المسلسل الوثائقي الكوري "بإسم الدين: إيمان وأكاذيب" 2023 يبث حاليًا عبر منصة نتفلكس.



إرسال تعليق

أحدث أقدم